|
حيث زادت الحملات التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون ضراوة فألصقت بهم تهم الإرهاب والتطرف، في حين تناسى العالم وتغافل بشكل متعمد الإرهاب الصهيوني وممارسات العنف الصربي الأرثوذكسي وما رافقه من اغتصاب للنساء وتدمير وتشريد, أو تلك الأعمال الإرهابية التي مارسها الكاثوليك في كل من ايرلندا الشمالية وكرواتيا. ويربط الأسد ذلك بمسألة تفسير الأصولية ونشأتها ودسِّها "دسوها علينا"، بمعاني تخالف المعنى الأصلي في تراثنا مبرزا خطورة المصطلح كأحد أدوات الصراع التي جيرت لتشويه الصورة
وينبه الأسد إلى ضرورة إدراك أن "سوء تطبيق المبدأ لا يعيب المبدأ نفسه"، وهو ما فعله الآخرون المتربصون بنا، مؤكدا أن محاكم التفتيش ليست المسيحية، وبالتالي فمن المؤكد أن ما يمارسه بعض من ينفخون أوداجهم في سبيل الإسلام من سفك لدماء الأبرياء لا يمثلون حقيقة الإسلام. ويمضي الأسد في حمل القارئ إلى التفكير بعمق في أطروحاته التي يتناولها، ولعل كتابيه المشار إليهما من أهمِّ ما كُتِبَ، بما يتضمنانه من رؤى تدعو إلى استنباط أحكام تنطبق على الواقع المعاش وفق فهم جديد متطور لفروع الفقه وأحكامه انسياقا مع الفهم الصحيح للإسلام وأصوله دون المسّ بثوابته من حيث هو دين صالح لكل زمان ومكان. في تبيانه لموضوع الحكم والحكومة في الإسلام معناها وطبيعتها، يرفض الأسد تسميات أطلقها بعض الباحثين، محرّفين الكلم عن مواضعه، مدّعين أنها حكومة دينية أو ثيوقراطية تقوم على الجبرية الغيبية، حيث لا مجال لحرية الفرد فيها في خيار الأمة, فالحكومة الدينية يقوم عليها رجال الدين شأنها شأن أوروبا في بعض عصورها، حين سادت الكنيسة محتكمة إلى الكهنوت مستمدة سلطتها من الله عادّةً الحكام ممثلين له, وهو أمر لا يقره نظام الحكم الإسلامي, فاختيار الحاكم في الإسلام يرتبط بعدد من الأصول أهمها البيعة التي يشترك فيها جميع أفراد المجتمع المسلم رجالا ونساء وعبيدا حيث يتم اختيار الحاكم بما يتناسب وأحوال الناس ويحقق غاياتهم، "وكل هذا مختلف أشد الاختلاف عن ديمقراطية اليونان, وعن الديمقراطيات الأوروبية والأميركية". فالسلطة في الإسلام بشرية تستمد شرعيتها من البيعة والشورى، حيث تركهما الله ورسوله دون تحديد لأطرهما ووسائلهما، فالمسلمون هم من يختارون ويحددون هذه الأطر والأساليب بما يتوافق وأحوال عصرهم الذي هم فيه, ويتلاءم وأحوالهم السياسية والاجتماعية والفكرية, وحقوقهم الإنسانية التي حرص الإسلام على صونها، في حين تبدت ديمقراطيات الغرب ذات معايير مزدوجة، فكثيرا ما تبرز ادعاءاتهم الزائفة حول حقوق الإنسان في ممارسات جلية مفضوحة. ولا يخفي الأسد رفضه تسمية "الأقليات"، فهي "مصطلح غريب عن موقف الإسلام وروحه"، فالمسلمون أطلقوا على الآخرين يهوداً ونصارى مصطلح أهل الذمة حيث كانت حقوقهم جلية, فالأقليات العرقية ليس لها وجود في الإسلام فلا فرق بين الفارسي والرومي والهاشمي القرشي إذ تربطهم وحدة النوع الإنساني ووحدة الدين منذ عهد نوح وصولا إلى محمد بن عبد الله, مع إقرار الإسلام حرية عقيدة الآخرين, ورفضه لكل من يحاول الاعتداء على عقيدة المسلمين، ففي المجتمع الإسلامي تتعدد الأجناس والأديان واللغات "في إطار منظم من وحدة النظام الإسلامي التي تسمح بالتعددية والقائم على الحرية والكرامة الإنسانية"، وهو أصل من أصول نظرة الإسلام للأقليات وفق التسمية الغربية, مع عدم إقراره بفكرة النظام الغربي القائمة على الأكثرية والأقلية, فالجميع يجتمعون في جسم الأمة الإسلامية، لكل فرد حقوق وعليه واجبات. ويعرض الأسد هذا الإطار عدداً من الشواهد، يسوق من بينها ما كتبه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لعامله على البصرة: "وانظر من قِبلك من أهل الذمة من قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب, فاجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه". إنّ موضوع الأقليات في الإسلام من المواضيع التي جلبت وافتراءات عديدة على الإسلام والمسلمين مردها الجهل أو العصبية، وما قد يتبدى من ممارسات مرده تطبيقات مخالفة لروح الإسلام من فقهاء يصدرون أحكاما بالغ في تطبيقها العامة. إذا كان موضوع الأقليات بشكله الغربي قد فتح الباب أمام عدد كبير من الافتراءات، فإن موضوع المرأة في الإسلام رددنا كثيراً من آراء الغرب فيه وعما عانته في العصور الوسطى, وكان هذا الترداد نتيجة عدم دراسة أصل الموضوع وفهم الدين، وهو عادة المغلوبين في كل عصر وكل أمة، حيث إسقاطات الثقافة الغربية على المفهوم الإسلامي، "وقد كان لنفر من المسلمين من غير العرب ممن كتبوا عن الإسلام أثر كبير في إظهار المرأة المسلمة في غير صورتها الصحيحة فقد ضيقوا عليها الخناق". ويفند الأسد هذا، حيث يؤكد موقف الإسلام المعظِّم للمرأة، فهي متساوية مع الرجل مساواة تامة في غير الأمور المتصلة بتكوينها كأنثى, ومساواتها في الرجل "مساواة تماثل وتطابق"، وقد نظم الإسلام شؤونها رافعا عنها أنواع الظلم الذي عاشته قبل الإسلام وفي ظل الأديان الأخرى, وجعلها مشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية. ويتناول العلامة الأسد عدداً من القضايا التي أسيء فهمها حول موقف الإسلام من المرأة، كتلك المتعلقة بموضوع الإرث والقوامة وتوليها للمناصب فعالج جلها معالجة علمية دقيقة وبنظرة كلية غير مبتورة, لينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الكرامة الإنسانية –جذورها التاريخية ومخاطر التطرف- حيث يستند الأسد إلى القاعدة الكلية التي تستقي من قوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضّلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا"، وهنا يبرز أسباب الحكم العام في التكريم والتفضيل دون افتئات على مراد الله من هذا التفضيل, فالإنسان وفق إرادة الله خليفته في الأرض هيأه لذلك بأن علّمه البيان ومنحه العقل, وسخّر له ما في الأرض جميعا, وقد ترتب على هذا التفضيل والتكريم تبعات يكابد الإنسان في سبيلها. وفي حديثه حول كرامة الإنسان يبين لنا أن الدين لا يقبل الطائفية التي تؤدي للتمزق والافتراق، وهو أمر شاع قبل الإسلام في كل من اليهودية والنصرانية، فقد انتشر اضطهاد الفرق القوية للفرق الضعيفة، واحتكر الأقوياء الدين والإيمان وفسروه كما أرادوا فارضين آراءهم على من سواهم. ويؤمن الأسد بأن الحوار حالة حضارية تبادلية بناءة، سواء مع الذات أو مع الآخر، تفضي إلى خطاب مشترك، يحتكم إلى الفكر والعقل والبناء المعرفي المستنير، الذي لا يغلق منافذ القلعة نافياً حق الآخر في الاختلاف، ومعترفاً بدوره في الإسهام الإنساني القائم على التكافؤ بحق الوجود والأمن والسلام، ومقراً بإسهاماته المخلصة في البناء الحضاري وفق المعطيات التي أتيحت له. إن عالمنا العربي إنسانا واعتمالا حضاريا يطفح غنى وتعدداً في جغرافيا التفكير وتلاقحاً في رؤى الحوار بين الذات والآخر، ونبشاً لمفاعيل التلاقي الثقافي والحضاري التي توطن الحوار وضرورة استمراريته للوصول إلى قواسم خطاب مشتركة ومنصفة. وينسحب هذا المحور على جعل الإسلام والتفاعل الحضاري مدلاجاً لفكرة الحوار لا الصراع مع الآخر، وهو موضوع يشغلنا في كيفية مواجهة ما يعترض الإسلام السمح وأهله من هجمة ظالمة، إذ كان لأبناء جلدتنا إسهام في تفاقمها. فتحت عنوان "الإسلام والثقافة العربية في عالم جديد"، يبرز العلامة الأسد خصائص هذه الثقافة التي يمتاز بعضها بالثبات حيناً مبينا الجوامع المشتركة بينها وبين بقية ثقافات المعمورة سواء في المنهج الذي يضبط مسيرتها أو المحتوى التي تعبر فيه عن نفسها متتبعا تطبيقات كل منها. إن منهج الثقافة العربية يستقي من روح الإسلام ونظرته إلى الإنسان وأنواع نشاطه الفكري والوجداني حيث عمل الإسلام على تكوين عقل المسلم وتوسعة مداركه وبناء شخصيته العلمية, ثم جاءت الكتابة ظاهرة لغوية فكرية سخرت لإطلاق العقل من أغلال الخرافات وتحريره من الأباطيل كي يتمكن من الفهم الصحيح للنصوص وتطبيقها بعيدا عن الحفظ والترداد لتسهم في نهاية الأمر في تكوين العقول وتبني الثقافة دون الاعتماد على الحواس والاحتكام إلى الدليل بعد الشك لإثبات الحقائق، وهي وسائل تضمن استمرار هذه الثقافة وما لها من سمات كالتسامح والحث على الاجتهاد. ولما كان الإسلام دينا عالميا، فقد جمع بين علوم الدنيا والدين، فبرز فيه عدد كبير من العلماء الذين اشغلوا العالم بعلمهم فمرت الثقافة العربية عبر عصورها ازدهاراً إلى أن وصلت إلى حالة من التخلف والانحطاط بانسلاخها عن منهجها فلازمها الظن بأنها ثقافة الحفظ والرواية مقتصرة على العلوم الدينية واللغوية والأدبية, لا علم ولا فلسفة فيها، وانتشر الاعتقاد أنها جامدة وقفت عند مرحلة لم تستطع تجاوزها, ولعل تجلي هذا كان في عصرنا الحالي نتيجة لعجز أهلها عن إدراك المنهج العلمي الإسلامي بمعالمه الواضحة المحددة, فأخذ العالم المتحضر يقفز ويعدو مسرعا ويرتقي, ونحن متفرجون نستورد نظرياتهم ونترجم لهم دون تشكيل لأصول أو أدب أو فكر فوصلت حياتنا الأدبية والعلمية حد الانهيار. إن الثقافة العربية في عالم جديد هي ثقافتنا الأصلية المعتمدة على جذورها وثوابتنا المعبّرة عن ذاتنا، وهي قادرة على أن تعود لتحقيق ذاتها حتى توقفنا عن التقليد. يؤكد الأسد أنه لا بُدَّ أن يتخلل كل صراع حوار يسبقه أو يلحقه, فالحوار في حقيقته مواجهة وصراع بين أفكار ومواقف, ومهما حاولنا التغلب على شعورنا فإن وجه المستعمر واحد يعود لنا في كل مرة بشكل جديد فيغلبنا, فبين سايكس بيكو وحرب الخليج 1991 امتداد وتجديد لكل الغزوات التي استشعر لهيبها أجدادنا وآباؤنا منذ سقطت الخلافة وما تلاها من تقسيم لبلادنا وإقامة الحدود والحواجز فيها, فكلها معركة واحدة تظل تعقبها معارك "ما بقينا وبقوا"، حيث كانت دار الإسلام دائما مسرحا لحروب متعددة وستظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, وستبقى هذه المنطقة -الشرق الأوسط- والتي حقها أن تسمى "الوطن العربي", تحتضن رحى هذه المعارك غالبة ومغلوبة, وكذلك هي الدعوة للسلام الشامل دعوة قديمة استهوت الفلاسفة والمفكرين, فقد حاول الرومان تطبيقها في إمبراطوريتهم, فنشأ ما يعرف بعصر السلام الروماني وعّمر قليلا ثم ما لبث أن انهار، "فالسلام هو دورات زمنية بين معارك وحروب, وهو أمر ضروري لاستئناف تلك المعارك, إذ من خلال هذه الدورات السلمية تنشأ أجيال وقيادات جديدة معبأة نفسيا لمواصلة القتال بعد أن نسيت أهوال المعارك السابقة". وتستوقفني في قراءة فكرة الأنا والآخر مسألة الحوار العربي الغربي وأوجه العلاقات بين العرب والغرب، التي تتناوب بين العلاقات السطحية والقلقة والمتذبذبة وغير المتكافئة من زاوية، والرؤية الضبابية والسلبية ذات التجذر التاريخي والديني والتربوي، والمحكومة بفروضات استباقية تتكيء على آراء اللاهوتيين والمؤرخين والخيال الشعبي، ثم تضخيم بعض الرموز والأحداث في التاريخ العربي المعاصر لتشكل الرؤية والقناعة النهائية عن العربي أو المسلم من زاوية ثانية. وفي منحى مقابل، وضمن إطار الحوار مع الآخر، لا بد من التأكيد على إبراز قيمة التكاملية الاقتصادية العربية وعلاقاتها مع الاتحادات والتحالفات العالمية مثل الاتحاد الأوروبي، سواء في الاتفاقيات الثنائية، أو المشتركة، التي تشكل أساً حقيقاً يشرعن ضرورة الحوار ويكرسه. فالحوار لا تكرسه العلاقات السياسية فقط، بل لعلها عائق أمام تشكل هذا الحوار، فلا بد من البحث عن القواسم النفعية المتبادلة اقتصاديا وأمنيا واجتماعيا وإداريا، وهي مقدمات حقيقية في سبيل تعظيم فوائد الحوار مع الآخر ضمن حلقات حتميته وضرورته، وفي سبيل هذا لا بد من تعالٍ كبير على الجراح يوقف النزف الإنساني دماً وجهداً وكرامة، أملا في غد تنفتح فيه أبواب القلوب والأذهان والخيرات من غير جدر العقليات المسكونة بالماضي نهوضاً إلى الأوليات وحوار نحترم فيه الذات والآخر. ويرى الأسد أن أهم أسباب توالي الحروب بين العرب والفرنجة هو "أن الغالب القوي يرى المغلوب الضعيف غنيمة كاملة له، اكتسبها بحكم ما حقق عليه من نصر"، فالغالب يفرض على المغلوب شروطا تسلبه كثيرا من حقوقه الإنسانية وتسلبه ثقافته وشخصيته وتفرض عليه تقسيماته فتجعل الأمة الواحدة أمما والوطن الواحد أوطانا يقيم فيه كل ما يكرس تجزئته فتنشأ أجيال تدافع عن هذا التقسيم بعد أن كانوا ثائرين عليه لما حققه لهم من مكاسب, ومن هنا فإن كل نصر من هذا النوع يحمل في طياته بذور الهزيمة لأن "الجمرة تظل متقدة في أعماق الشعوب". وفي تعرضه للشرعية الدولية والاستعمار الجديد، يبدي الأسد ملاحظاته حول المصطلح والمضمون، فيولي قضية تعريف المصطلح لفظا ومفهوما أهمية كبرى مبينا مبررات ذلك, فقرارات المحافل الدولية والمعاهدات تحتمل تفسيرات تختلف باختلاف الظروف نتيجة لعدم تحديد الألفاظ والمصطلحات, ويؤكد الأسد ما يقال عن مهارة الإنجليز في صياغة الألفاظ والعبارات في الرسائل والمعاهدات ليختلف الناس في تفسيرها بعد ذلك, وليستطيع الإنجليز الاستفادة منها بعد ذلك, فبعض الألفاظ تكون مجردة أو مطلقة غير محددة الدلالة فتكون أقرب للشعارات التي يهتف بها الناس دون فهم معناها أحيانا, فقد يكون للفظ دلالتين: الأولى لغوية والثانية اصطلاحية, تقتربان حينا وتفترقان أحيانا, ويضرب الأسد أمثلة ذلك في مصطلحي "الشرعية" و"سيادة القانون"، ويستفيض في تبيان الاختلاف حول مفهوم الشرعية, وكذلك مفهومي "إزالة آثار العدوان" و"إزالة أسباب العدوان"، فهذه المصطلحات تسخَّر لمصلحة الدول القوية. وينتقل الحديث في "نحن والآخر" إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان بين العالمية والخصوصية, حيث أن "لكل حقبة قضية تشغل الناس وتستحوذ على الرأي العام, وتصاغ في عبارة موجزة تصبح شعارا لتلك الحقبة"، فقد انشغل العالم العربي منذ أواخر القرن التاسع عشر في قضية الإصلاح الإداري في الدولة العثمانية، ثم انتقل إلى اللاّمركزية أو قضية الحكم الذاتي، ثم انشغل بالاستعمار وتقسيم البلاد، ثم كانت قضية الاستقلال والوحدة والتجزئة والاشتراكية والعدالة الاجتماعية وغيرها من القضايا، فلم نعد ندري ما هي قضية الحقبة التالية. لقد بقيت الديمقراطية بمضامينها مطمح الإنسان في مختلف العصور, وهي اليوم مطلب ملح في ظل النظام الدولي الجديد مقرونة بحقوق الإنسان, وهنا يبين الأسد أن مواقف الدول الكبرى ليست مبدئية بل مواقف انتقائية تتغير بتغير المصالح، "فقد تغض الطرف عن الحكم الفردي وانتهاكات حقوق الإنسان عند دول تقتضي المصالح الاقتصادية للدول الكبرى غض الطرف عنها" وكذلك في مسائل الديمقراطية, وهنا يبلور الأسد مفهومَي "حقوق الإنسان" و"الديمقراطية" في تطورهما التاريخي وتناقض النظرة بين السماح في بعض الحقوق لمجتمعات معينه وعدم السماح لها في مجتمعات أخرى كتلك المتعلقة بلباس النساء، فيسمح للمرأة أن تركب القطار عارية الصدر أو حتى العري على الشواطئ، في حين لا يسمح ويحارب لبس الخمار والملابس المحتشمة, وبهذه التفرقة دلالة واضحة على ازدواجية المعايير التي تستبد بها الدول الكبرى. أما في قضية العولمة فيتبدى السؤال: أين هي محددات هوية الأنا وهوية الآخر في ظل عولمة تعمل على تغيير نسيج التجربة الثقافية؟ إنها حالة تمس الهوية الفردية والجماعية والوطنية مساسا مباشرا عن طريق شبكة سريعة التطور متزايدة الكثافة وبمتواليات مترابطة وتبادلية في العلاقات الاجتماعية والمؤسساتية وفي التدفق السلعي والمعلوماتي وفي أشكال الاتصال. فلا شكّ أن العالم قد أصبح أكثر تقاربا من الناحية المكانية، وهو ما أطلق عليه ديفيد هارفي "انضغاط الزمان-المكان"، فقد جعل هذا التقاربُ العالمَ منكمشا، وهو ما أسماه مارشال ماك لوهان "القرية العالمية"، وما صاغته الأمم المتحدة في تعبير "جوارنا العالمي"، وصور هذا التقارب على أية حال مجازية مظهرية تعكس البعد الحميم للتقارب أو نقل البداهة والعقلانية المتزايدة للعلاقات الحقيقية. ويقوم العالم الآن وفق هذا إلى تحويل التجارب المكانية إلى تجارب زمانية. ويبرز الأسد هنا مقولات صمويل هنتنغتون وفوكوياما, لينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن المسلمين ومواقف الغرب منهم، حيث يظهر المسلمون في وسائل الإعلام الغربية بمظهر المتخلفين ليتعدى ذلك إلى الازدراء والتنقيص من الإسلام نفسه، حيث أن العرب عندهم هم المسلمين متناسين أن هناك وجود مسيحي بين العرب, فهل العرب والمسلمون على جانب والغرب على الجانب الآخر؟ هنا، لا بد من التفريق بين الأفكار والمواقف وبين التعاون وتبادل العلاقات, إذ يجب الكف عن الوقوف موقف المشاهد في أجواء عدم الثقة, فحتى يتم التواصل يجب أن يحتفظ كل فريق بصفاته ويقبله الآخر على حاله وإلا انتفى معنى التواصل. وهنا تبرز أهمية الحديث عن العرب وعلاقتهم بالاتحاد الأوروبي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة وما نتج عنها من متغيرات من ازدياد لنفوذ الولايات المتحدة الأمريكية وتسودها على العالم, ويطفو على سؤال عن كيفية العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والعرب؟ وهل يمكن تناسي ذكريات التاريخ ورواسبه الدينية والثقافية؟ وهل يمكن تغليب المصالح على إرث التاريخ؟ وتتبين لنا هنا أهمية توحيد المواقف وإن كنا دولا عدة كي نستطيع أن نكون فاعلين مؤثرين وأن لا نكون متلقين متأثرين فقط وأن نُكوِّن شراكة ثقافية اجتماعية وإنسانية في كيان واحد اسمه الأورومتوسطية، خصوصا في ظل ما تثيره العولمة كظاهرة من أسئلة, فهل يمكن فصل العولمة عن الهوية القومية والدينية للشعوب؟ وهل تتناقض هذه العولمة مع الديمقراطية والتعددية والتنوع الحضاري؟ وهل ستنتهي العولمة حقا بالتفاهم والسلام بين الشعوب؟ فالعولمة مصطلح يشبه الحداثة والخصخصة والنظام العالمي الجديد، فكلها الفاظ ومصطلحات "يذهب النقاد والمحللين مذاهب مختلفة في فهمها وتعريفها وتفسيرها"، فالعولمة عند العلامة الأسد كالحداثة سمة من سمات العصر الوقوف في وجهها أو تجنبها والعزلة عنها، "إنما هو خروج على العصر والتخلف وراءه... وعلينا الإسراع في دراسة عناصر هذه العولمة وفهم مكوناتها... ولا يجوز لنا التوقف مكتوفي الأيدي عاجزين عن القيام بعمل حقيقي وفعل أصيل... إن دعوتنا إلى التفاعل الثقافي مع العولمة أخذ وعطاء دون وجل ومن موقع الثقة بنفوسنا وبثقافتنا وبحضارتنا إنما تستلزم القدرة على الإسهام والمشاركة وذلك يتطلب منا أن يكون لدينا ما نسهم به ونشارك". إن المفكرين والمثقفين العرب الذين زاروا الغرب في عصر النهضة وكتبوا عنه شجعوا على التفاعل الثقافي العربي الغربي، وعلى المثاقفة باعتبار الاختلافات الثقافية. وكان ذلك بعيدا عن الانطباعية والانفعالية سواء انبهاراً أو رفضاً، أو سَخَطَاً تجاه الممارسات الاستعمارية، فالحالة الانفعالية لا تعبّر عن إرادة الفعل، بل تكاد تكرس العقلية الاستهلاكية، لتغدو العولمة تعويضا عن فراغ وإحساس بالنقص تجاه عدم القدرة على الإبداع. وفي باب الوعي بالتحديات التي ينتظرها القرن الحادي والعشرون علينا استيعاب فكرة تهاوي عائق الزمان والمكان على الكوكب، وتلاشي الفواصل بين الأنساق السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وضرورة الحصانة لما قد يتوالد من داخل الفعل العولمي بحتمية اللحظة دونما وعي مسبق بحدوثها. وإخال أن فكرتَي "نحن والعصر" و"نحن والآخر" تختزلان أهمية الدورة الثقافي وفق سياقات استشعار المعايشة ووعي الذات ووفق أُطروحاتٍ تُشكِّلُ الرؤية ومرجعيات الفكر واستلهام التراث. إن الثقافة والفكر نسيج إنساني متنوع يصبح وطنيا أو قوميا في مظاهره اللغوية والفنية والاجتماعية.. والمطلوب منا التحرر من الأطر الثقافية المرجفة والتي تدعو إلى التجزئة والتفكيك. ولا مندوحة لنا من وعي أهمية التجارب الفكرية التاريخية والتراثية العربية والإسلامية والإنسانية، مؤمنين بثوابتها في تأصيل الهوية واستيعاب الآخر، وأن نسهم في بعث روح ذلك الإرث واقعاً نهضوياً وواقعاً تعبويا قبالة قوى الجهالة والظلامية.
نقلا عن جريدة الرأي الاردنية
|